نظرة عامة
إطلاق شركة ناشئة هي رحلةُ اكتشاف، أما توسيع نطاقها فهي عمليةُ إعادة ابتكار. ففي مرحلة الإطلاق، يبحث فريق صغير عن مشكلة حقيقية، وحلٍّ مقنع، والعملاء الأوائل؛ فتُتخذ القرارات بسرعة، ويجري التواصل بصورة غير رسمية، ويتدخل المؤسسون شخصياً في كل تحدٍّ أو عائق تقريباً. غير أن هذه الميزة تبدأ بالتلاشي تدريجياً في مرحلة التوسع؛ إذ يتعين على الشركة في آنٍ واحد خدمة عدد أكبر من العملاء، واستقطاب فرق أكبر وتنسيق عملها، وإدارة السيولة النقدية بصرامة أكبر، والامتثال لمتطلبات إضافية، والمحافظة على مستوى الجودة نفسه عبر الأسواق المختلفة، وغير ذلك.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية على المستوى العالمي، وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص. فقد أوجدت المملكة زخماً كبيراً في مجال ريادة الأعمال من خلال الإصلاحات التنظيمية، وبرامج الاستثمار، ومسرّعات الأعمال، وفرص المشتريات الحكومية، وسوق رأس المال الجريء الذي يزداد نشاطاً. ويشير التقرير السنوي لرؤية المملكة 2030 لعام 2025 إلى أن عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة تجاوز 1.7 مليون منشأة، توظّف نحو 8.8 ملايين شخص، وتُسهم بنسبة 22.9% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن تقدّم المملكة في التصنيف العالمي لمنظومات ريادة الأعمال من المرتبة 83 في عام 2021 إلى المرتبة 23 في عام 2025.[1] كما استقطبت المملكة في عام 2024 استثمارات رأس مال جريء بلغت نحو 750 مليون دولار أمريكي عبر عدد قياسي من الصفقات بلغ 178 صفقة، بما يمثل 40% من إجمالي رأس المال الجريء المستثمَر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.[2] وتعكس هذه الأرقام عمق المنظومة، لكنها لا تضمن أن تمتلك كل شركة ناشئة القدرات اللازمة لتتحول إلى شركة متنامية في مرحلة التوسع (Scale‑up) قادرة على الاستدامة.
أ. الإطلاق والنمو والتوسع ليست مفاهيم متطابقة
يحدد الإطلاق ما إذا كان النشاط التجاري قادراً على توليد طلب أولي. أما النمو فيعني زيادة الإيرادات أو العملاء أو الموظفين أو الحضور في السوق. في حين أن التوسع أكثر تطلباً؛ إذ يعني زيادة المخرجات والقيمة مع الحؤول دون ارتفاع التكاليف والمخاطر والتعقيد التنظيمي بالوتيرة نفسها.
ومن ثم، قد تنمو الشركة دون أن تتوسع فعلياً. فقد تتضاعف الإيرادات بينما يرتفع عدد الموظفين وتكاليف استقطاب العملاء والخسائر التشغيلية بوتيرة أسرع. وقد يزداد عدد العملاء في حين تتراجع جودة الخدمة. وقد تدخل شركة ناشئة عدة مدن، لكنها تظل معتمدة على مؤسسيها في اعتماد القرارات الروتينية.
ويبدأ التوسع الحقيقي عندما تصبح المؤسسة قادرة على استقطاب العملاء وخدمتهم والاحتفاظ بهم بصورة متكررة، من خلال نموذج مجدٍ اقتصادياً وقابل للنقل تشغيلياً. ويعكس برنامج “طموح” التابع للهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) هذا التمييز؛ إذ تشترط الأهلية أن تُثبت المنشأة نمواً لا يقل عن 20% في الإيرادات أو عدد الموظفين لمدة ثلاث سنوات متتالية، ليقدّم البرنامج بعد ذلك دعماً تشخيصياً، ويتيح الوصول إلى الأسواق والمعرفة والتمويل.[3] ويكتسب التركيز على استدامة الأداء أهمية خاصة؛ فجولة تمويل واحدة أو عام واحد من المبيعات السريعة لا يُعد دليلاً على الجاهزية للتوسع.
ب. لماذا قد يتحول النجاح المبكر إلى عبء؟
تنجح الشركات في مراحلها المبكرة جزئياً بفضل مرونتها؛ فالأدوار متداخلة، والاستثناءات مقبولة، والمؤسسون يحتفظون بالجزء الأكبر من المعرفة الحيوية. وتدعم هذه الخصائص مراحل التجريب، لكنها تتحول إلى قيود عندما تتضاعف المعاملات والموظفون والعملاء.
لذلك، لا بد أن تتطور الممارسات التي ساعدت الشركة على الانطلاق: فينبغي أن يُدعَّم الحدس ببيانات موثوقة، وأن يتحول الجهد الفردي إلى عمليات قابلة للتكرار، وأن تنتقل القرارات التي يقودها المؤسسون إلى مساءلة مفوَّضة، وأن تتحول العلاقات غير الرسمية إلى ثقافة مؤسسية مقصودة، وأن يقابلَ طموحَ الإيرادات انضباطٌ في إدارة السيولة واقتصاديات الوحدة (Unit Economics).
وعليه، فإن التحدي لا يقتصر على تنمية الشركة الناشئة، بل يتمثل في المحافظة على تركيزها على العميل وسرعتها الريادية، مع إدخال قدر كافٍ من الهيكلة يجعل الأداء قابلاً للتكرار.
ج. العوائق الثمانية أمام التوسع
قد يأتي الزخم الأولي من شريحة محدودة متحمسة، أو من أسعار ترويجية، أو من عملاء استقطبهم المؤسسون شخصياً. أما التوسع فيُعرِّض المنتج لشرائح أكثر تنوعاً وتطلباً. وهنا ينتقل السؤال من: هل يرغب العملاء في العرض؟ إلى: هل تستطيع الشركة استقطاب عدد كافٍ من العملاء والاحتفاظ بهم بتكلفة مقبولة؟
يتولى المؤسسون في البداية تحديد التوجه، وإدارة علاقات المبيعات، واتخاذ قرارات المنتج، وبث الحيوية في ثقافة الشركة. لكن عند التوسع، قد يؤدي تركّز هذه الأدوار في أيديهم إلى إبطاء القرارات وإضعاف المساءلة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن يتنحى المؤسس، لكن الشركة تحتاج إلى فريق قيادي متوازن، وصلاحيات قرار محددة، وقيادات قادرة على إدارة مستوى أعلى من التخصص.
ينجح التنسيق غير الرسمي مع عشرة موظفين، لكنه نادراً ما ينجح مع المئات. وينبغي أن تنضج الحوكمة بما يتناسب مع مستوى التعقيد، من خلال مسؤوليات واضحة، ولجان ومنتديات إدارية، وإشراف من مجلس الإدارة، وسياسات، وآليات تصعيد، دون استيراد بيروقراطية غير ضرورية.
الأشخاص الذين يكتشفون نموذج العمل ليسوا دائماً الأشخاص أنفسهم القادرين على ترسيخه وتشغيله على نطاق واسع. فالشركات المتوسعة تحتاج إلى قيادات وظيفية متمرسة، ومديرين في المستويات الإدارية الوسطى، وقدرات تقنية وتجارية نادرة. وينبغي للشركات السعودية أن تربط توطين الوظائف بتخطيط القدرات والتعاقب الوظيفي ونقل المعرفة، بدلاً من التعامل معه بوصفه إجراء امتثال متأخراً.
عند انخفاض حجم العمل، يعوّض الموظفون ضعف العمليات بجهودهم الشخصية. أما مع ارتفاع الحجم، فيصبح كل استثناء مكلفاً. فعمليات تهيئة العملاء، وتنفيذ الطلبات، وضمان الجودة، والمشتريات، والدعم، تتطلب إجراءات موحدة، ومستويات خدمة محددة، وضوابط، وتخطيطاً للطاقة الاستيعابية.
قد تدعم التطبيقات المتفرقة مرحلة الإطلاق، لكنها لا تدعم التوسع. فضعف التكامل يؤدي إلى سجلات عملاء غير متسقة، وتسويات يدوية، وتقارير غير موثوقة. وتُبرز أبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأدوات الرقمية وحوكمة البيانات والمهارات المرتبطة بالبيانات بوصفها عوامل تمكين مهمة لتوسع المنشآت الصغيرة والمتوسطة.[4] وينبغي أن يستند الاستثمار التقني إلى بنية قابلة للتوسع وأولويات أعمال محددة.
يمكن للتمويل أن يسرّع نمو نموذج عمل سليم، لكنه لا يستطيع إصلاح وضع مالي ضعيف. وتحتاج الشركات المتوسعة إلى رؤية واضحة لهوامش المساهمة، وتكلفة استقطاب العملاء، والقيمة الدائمة للعميل، ورأس المال العامل، والمدة التي تكفيها السيولة النقدية المتاحة. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الشركات المتجهة نحو التوسع تواجه احتياجات تمويلية متغيرة، وتستفيد من تنويع مصادر رأس المال.[5]
التوسع في منطقة أخرى، سواء داخل المملكة أو في دول الخليج أو في الأسواق العالمية، ليس مجرد استنساخ. فقد يختلف سلوك العملاء، وقنوات البيع، والأنظمة، وتوافر المواهب، والتسعير، والشراكات. وتشير الأدلة الدولية إلى أن الارتباط بالأسواق العالمية يعزز فرص التوسع، لكن التوسع الخارجي يجب أن يستند إلى جاهزية مؤسسية حقيقية.[6]
د. مؤشرات التحذير من التوسع المبكر
وتشير أبحاث منشورة في مجلة هارفارد بزنس ريفيو إلى أن التوسع المبكر قد يأسر الشركة الناشئة في نموذج عمل لم تثبت جدواه بعد، في وقت لا تزال فيه بحاجة إلى التجارب، ويرفع من احتمالات تعثرها. ورغم أن الانتظار طويلاً ينطوي على بعض مخاطر التقليد من قِبل المنافسين، فقد خلصت الدراسة إلى أن خطر الالتزام والتوسع المبكر أكبر.[7]
هـ. إطار عملي لتقييم الجاهزية للتوسع
قبل تسريع التوسع، ينبغي لمجالس الإدارة والفرق القيادية تقييم ثمانية أبعاد، يمكن تصنيف كل منها على مقياس من 1 (ممارسات غير منظمة) إلى 5 (جاهزية كاملة للتوسع). ولا ينبغي تحديد مستوى الجاهزية بناءً على المتوسط وحده؛ إذ قد يؤدي ضعف حاد في المالية أو القيادة أو التقنية أو الامتثال إلى تقييد خطة النمو بأكملها.
| البُعد | سؤال الجاهزية للتوسع |
| الاستراتيجية | هل الأسواق المستهدفة وخيارات النمو والمزايا التنافسية محددة بوضوح؟ |
| السوق | هل الطلب متكرر، مع معدلات احتفاظ قوية واستعداد مُثبت للدفع؟ |
| القيادة | هل يستطيع القادة التفويض وإدارة التعقيد وبناء الصف القيادي التالي؟ |
| الموارد البشرية | هل القدرات الحيوية ومتطلبات القوى العاملة والسلوكيات الثقافية محددة؟ |
| العمليات | هل تستطيع العمليات الأساسية استيعاب أحجام أعلى بكثير دون تراجع في الجودة؟ |
| التقنية والبيانات | هل الأنظمة متكاملة وآمنة وقادرة على إنتاج معلومات موثوقة؟ |
| الحوكمة | هل صلاحيات القرار والمخاطر والضوابط ومسؤوليات مجلس الإدارة ملائمة للمرحلة التالية؟ |
| المالية | هل اقتصاديات الوحدة سليمة، ومصادر التمويل متوافقة مع خطة النمو؟ |
و. الخلاصة والتوصيات
بالنسبة إلى المؤسسين، تتمثل الأولوية في بناء المؤسسة قبل أن يجعل التوسع نقاط ضعفها مكلفة. ويعني ذلك التحقق من اقتصاديات الوحدة، وتعزيز الفريق القيادي، وتصميم نموذج تشغيلي قابل للتوسع وللتكرار.
بالنسبة إلى المستثمرين، ينبغي أن تتجاوز العناية الواجبة نمو الإيرادات وحجم السوق. فالصحة المؤسسية، وعمق المواهب، والاحتفاظ بالعملاء، والحوكمة، والمرونة التشغيلية، لا تقل أهمية في التنبؤ بإمكانات التوسع.
بالنسبة إلى برامج الدعم الحكومية ومسرّعات نمو الأعمال، تتمثل الفرصة التالية في استكمال دعم تأسيس الشركات الناشئة بدعم مخصص لمرحلة التوسع. وتمتلك المملكة بالفعل ركائز مهمة من خلال الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت)، وبرنامج طموح، وبنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والشركة السعودية للاستثمار الجريء، وبرنامج كفالة، وغيرها.[1][3] ويمكن للتدخلات المستقبلية أن تولي اهتماماً أكبر لمراحل الانتقال القيادي، والتوسع الدولي، وقدرات الإدارة الوسطى، وحوكمة النمو، والتميز التشغيلي.
بالنسبة إلى الشركات الكبرى وشركاء المنظومة، قد لا يقل إتاحة الوصول إلى فرص المشتريات، وشراكات التوزيع، وبيئات الاختبار، والخبرات القطاعية قيمةً عن رأس المال. فالشركات المتوسعة تنمو بوتيرة أسرع عندما تتمكن من الارتباط بالعملاء الراسخين وسلاسل الإمداد وشبكات المعرفة، وهي نقطة تؤكدها أيضاً أبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول شبكات المنشآت الصغيرة والمتوسطة والتوسع.[8]
ويمكن لشركات الاستشارات، مثل شركة كفاءات حلول الأعمال (KBS)، دعم هذا التحول من خلال إجراء تقييمات الجاهزية، وتطوير النماذج التشغيلية المثلى، والحوكمة، وتخطيط القوى العاملة، وتحسين العمليات، وخرائط طرق الاستراتيجية والتقنية، وأنظمة إدارة الأداء، الخ. والهدف ليس استيراد بيروقراطية الشركات الكبرى، بل إرساء الحد الأدنى من الهياكل اللازمة لتوسع مستدام بالسرعة المطلوبة.
عن الكاتب:
جوزيف سعد هو مستشار إداري يمتلك أكثر من 14 عامًا من الخبرة في مجالات الإستراتيجية، والتحول التنظيمي، والهندسة، والاستشارات القيادية. يشغل حالياً منصب مدير أول في الخدمات الاستشارية لشركة كفاءات حلول الأعمال، مع تركيز خاص على تصميم الإستراتيجيات والتحول المؤسسي. قاد جوزيف العديد من المشاريع الناجحة مع جهات رئيسية في القطاعين الخاص والعام على المستوى الوطني في المملكة العربية السعودية، وعلى المستوى الدولي من خلال مشاريع في إيطاليا، وهولندا، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، ولبنان.
المصادر: